سيد محمد طنطاوي
571
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) * أي حتى إذا وصل إلى منتهى الأرض المعمورة في زمنه من جهة المغرب . * ( وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) * أي : رآها في نظره عند غروبها ، كأنها تغرب في عين مظلمة ، وإن لم تكن هي في الحقيقة كذلك . وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ماء فإنه يراها كأنها تشرق منه وتغرب فيه ، كما أن الذي يكون في أرض ملساء واسعة ، يراها كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها . وحمئة : أي : ذات حمأة وهي الطين الأسود . يقال : حمأت البئر تحمأ حمأ ، إذا صارت فيها الحمأة وهي الطينة السوداء . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : « وجدها نغرب في عين حامية » أي : حارة . اسم فاعل من حمى يحمى حميا . * ( ووَجَدَ عِنْدَها قَوْماً ) * أي : ووجد عند تلك العين على ساحل البحر قوما . الظاهر أن هؤلاء القوم كانوا من أهل الفترة ، فدعاهم ذو القرنين إلى عبادة اللَّه - تعالى - وحده ، فيهم من آمن وفيهم من كفر ، فخيره اللَّه - تعالى - فيهم فقال : * ( قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) * . أي : قال اللَّه - تعالى - له عن طريق الإلهام ، أو على لسان ملك أخبره بذلك : يا ذا القرنين إما أن تعذب هؤلاء القوم الكافرين أو الفاسقين بالقتل أو غيره ، وإما أن تتخذ فيهم أمرا ذا حسن ، أو أمرا حسنا ، تقتضيه المصلحة والسياسة الشرعية . ثم حكى اللَّه - تعالى - عنه في الجواب ما يدل على سلامة تفكيره ، فقال : * ( قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ . . ) * أي : قال ذو القرنين في الرد على تخيير ربه له في شأن هؤلاء القوم ، يا رب : أما من ظلم نفسه بالإصرار على الكفر والفسوق والعصيان « فسوف نعذبه » في هذه الدنيا بالقتل وما يشبهه . ثم يرد هذا الظالم نفسه إلى ربه - سبحانه - فيعذبه في الآخرة عذابا « نكرا » أي : عذابا فظيعا عظيما منكرا وهو عذاب جهنم . « وأما من آمن وعمل عملا صالحا » يقتضيه إيمانه « فله » في الدارين « جزاء الحسنى » أي : فله المثوبة الحسنى ، أو الفعلة الحسنى وهي الجنة . « وسنقول له » أي لمن آمن وعمل صالحا « من أمرنا » أي مما نأمره به قولا « يسرا » لا صعوبة فيه ولا مشقة ولا عسر .